سيد محمد طنطاوي

316

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

5 - وبعد أن تسلى السورة الكريمة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه من أعدائه ، تأخذ في بيان مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - في خلقه ، فتذكر قدرته - سبحانه - في إرسال الرياح والسحب ، وفي خلقه للإنسان من تراب ، وفي إيجاده للبحرين : أحدهما عذب فرات سائغ شرابه ، والثاني : ملح أجاج ، وفي إدخاله الليل في النهار ، والنهار في الليل ، وفي تسخيره الشمس والقمر . . قال - تعالى - : وما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُه وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، ومِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا ، وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ، وتَرَى الْفُلْكَ فِيه مَواخِرَ ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ، ذلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ لَه الْمُلْكُ ، والَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِه ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . 6 - ثم وجه - سبحانه - نداء ثالثا إلى الناس ، بين لهم فيه : افتقارهم اليه - تعالى - وحاجتهم إلى عونه وعطائه ، وتحمل كل إنسان لمسئولياته ولنتائج أعماله . . كما بين لهم - سبحانه - أن الفرق بين الهدى والضلال ، كالفرق بين الإبصار والعمى ، وبين النور والظلمات ، وبين الحياة والموت ، وبين الظل والحرور . قال - تعالى - : وما يَسْتَوِي الأَعْمى والْبَصِيرُ ، ولَا الظُّلُماتُ ولَا النُّورُ ، ولَا الظِّلُّ ولَا الْحَرُورُ . وما يَسْتَوِي الأَحْياءُ ولَا الأَمْواتُ ، إِنَّ اللَّه يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ ، وما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ . 7 - ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ورحمته بعباده ، وعن الثواب العظيم الذي أعده - سبحانه - لمن يتلون كتابه ولمن يحافظون على فرائضه - وعن عقابه الأليم للكافرين الجاحدين لنعمه . . قال - تعالى - : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَخْرَجْنا بِه ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها ، ومِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها ، وغَرابِيبُ سُودٌ . ومِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ والأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه كَذلِكَ ، إِنَّما يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبادِه الْعُلَماءُ ، إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ غَفُورٌ . إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّه وأَقامُوا الصَّلاةَ وأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً ، يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ . ثم قال - سبحانه - : والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ، لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ . 8 - ثم انتقلت السورة الكريمة في أواخرها إلى الحديث عن جهالات المشركين ، حيث عبدوا من دون اللَّه - تعالى - مالا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، وعن مكرهم السيئ الذي لا يحيق